الشيخ عبد الغني النابلسي
114
كتاب الوجود
كثرت الأشياء القائمة به وتعددت ، ولكن إنما كان له معنيان : معنى أول الظاهر كما ذكرنا ، ومعنى ثان خفى عن العقل « 1 » ، كما ذكرنا أيضا ، باعتبار حكم العقل عليه بأنه صفة لكل موجود ، ومن قديم وحادث حكم باطل وخطأ محض ، وإنما دخل على العقل الحكم على الوجود بهذا الحكم الباطل والخطأ المحض من جهة نفس العقل الذي هو القوة العاقلة باعتبار أن العقل استقل بالمفهوم وانفرد عن تبعية لقيومية اللّه تعالى عليه ، وادعى الفهم بنفسه ، فتكون نفسه موصوفة عنده بالوجود ، فيدرك الأشياء كذلك موصوفة بالوجود ، والوجود صفة عنده له وللأشياء كلها ، فيكون دخول الخطأ عليه في هذا الحكم إنما جاء ، فمن جهة استقلاله في القيام بنفسه ، وجعل الوجود صفة لنفسه ولغيره ، والوجود في نفس الأمر ليس صفة للعقل ولا لغيره من جميع المحسوسات والمعقولات « 2 » ، كما قال الشيخ أرسلان رضي اللّه عنه في رسالته : « الناس تائهون عن الحق بالعقل » « 3 » انتهى . وإنما الوجود ذات قديمة أزلية قائمة بنفسها ، عرية عن المادة الخيالية والحسية والطبيعية والروحانية وغير ذلك ، فهي مجردة عن المادة مطلقا ، يفتقر إليها كل شيء
--> ( 1 ) يؤكد أبو منصور الماتريدي على ضرورة النظر العقلي ، ويرى أن الإيمان باللّه تعالى واجب على العباد بطريق العقل ؛ فالعقل في رأيه يمكن أن يستقل بمعرفة اللّه تعالى وإن كان لا يستقل بمعرفة سائر الأحكام التكليفية ؛ حيث إن الحق - سبحانه - أمر عباده في كثير من آيات القرآن بالنظر في ملكوت السماوات والأرض ، وأرشدهم إلى العقل ، لو اتجه اتجاها مستقيما منزها عن الهوى والتقليد لوصل إلى معرفة اللّه تعالى والإيمان به ، وهكذا يكون النظر العقلي إعمالا للنصوص القرآنية ، وسبيلا إلى معرفة الخالق - جل جلاله - . [ مذاهب الفرق الكلامية ( 251 ) ] . ( 2 ) انظر ما سيأتي عقب هذا . ( 3 ) التغير يحكمه القانون ، والعقل يحكم الوجود ، وهذا المبدأ العقلي هو الأصل في كل القوانين الطبيعية التي تحكم العالم ، وهو وحده الذي يحقق النظام والانسجام بين الأشياء ، وهو الحكمة التي تدبر الكون ؛ أي العقل الإلهى والقانون المطلق والواحد الذي يحكم الوجود . هكذا يرتقى العقل الإنسانى من المحسوس إلى المعقول ؛ فالمعرفة الحسية تقوم على معرفة التعدد والكثرة في الأشياء والموجودات ، أما المعرفة العقلية فهي التي ترقى إلى معرفة الحقيقة ، نعنى حقيقة القانون العقلي والإلهى الذي يحكم الوجود . [ الفكر الفلسفي ( 68 ، 69 ) ] .